الشيخ محمد رشيد رضا
239
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العليا ( هداية القرآن ) بعد ان كان لا سبيل إلى إذعانه لتعليم الوحي ، إلا ما يدهش حسه ويعيي عقله من آيات الكون بين في الكلام على وجه الحاجة إلى الرسالة ان سمو عقل الانسان وسلطانه على قوى الكون الأعظم بما هي مسخرة له تنافي خضوعه واستكانته لشيء منها ، إلا ما عجز عن إدراك سببه ومنشأه فاعتقد انه من قبل السلطان الغيبي الأعلى لمدبر الكون ومسخر الأسباب فيه ، فكان من رحمة اللّه تعالى به « انه أتاه من أضعف الجهات فيه وهي جهة الخضوع والاستكانة فأقام له من بين أفراده مرشدين ، هادين ، وميزهم من بينها بخصائص في أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم ، وأيد ذلك زيادة في الاقناع بآيات باهرات تملك النفوس ، وتأخذ الطريق على سوابق العقول ، فيستخذي الطامح ، ويذل الجامح ، ويصطدم بها عقل العاقل فيرجع إلى رشده ، وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن غيه » ثم قال في رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : نبي صدق الأنبياء ولكنه لم يأت في الاقناع برسالته بما يلهي الابصار ، أو يحير الحواس ، أو يدهش المشاعر ، ولكن طالب كل قوة بالعمل فيما أعدت له ، واختص العقل بالخطاب ، وحاكم اليه الخطأ والصواب ، وجعل في قوة الكلام ، وسلطان البلاغة ، وصحة الدليل ، مبلغ الحجة وآية الحق الذي ( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) لا يمكن اثبات معجزات الأنبياء إلا بالقرآن ( 6 ) انه لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء في هذا العصر بحجة لا يمكن لمن عقلها ردها إلا هذا القرآن العظيم ، وما ثبت فيه بالنص الصريح منها ، بناء على إنكار العلماء الواقفين على كتب الأديان التي قبل الاسلام - حتى كتب اليهود والنصارى - وعلى تواريخها لتواتر ما ذكر فيها من الآيات والاشتباه في كونها خوارق حقيقية ، وحجتهم ان التواتر الذي يفيد العلم القطعي غير متحقق في نقل شيء منها ، وهو نقل الجمع الكثير الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب لخبر أدركوه بالحس وحمله عنهم مثلهم قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل بدون انقطاع ، وإنما يكون استحالة تواطؤهم على